رابطة النهر الخالد
كَم ذا يُكابِدُ عاشِقٌ وَيُلاقي
في حُبِّ مِصرَ كَثيرَةِ العُشّاقِ
إِنّي لَأَحمِلُ في هَواكِ صَبابَةً
يا مِصرُ قَد خَرَجَت عَنِ الأَطواقِ
لَهفي عَلَيكِ مَتى أَراكِ طَليقَةً
يَحمي كَريمَ حِماكِ شَعبٌ راقي
كَلِفٌ بِمَحمودِ الخِلالِ مُتَيَّمٌ
بِالبَذلِ بَينَ يَدَيكِ وَالإِنفاقِ
إِنّي لَتُطرِبُني الخِلالُ كَريمَةً
طَرَبَ الغَريبِ بِأَوبَةٍ وَتَلاقي
وَتَهُزُّني ذِكرى المُروءَةِ وَالنَدى
بَينَ الشَمائِلِ هِزَّةَ المُشتاقِ
رابطة النهر الخالد
كَم ذا يُكابِدُ عاشِقٌ وَيُلاقي
في حُبِّ مِصرَ كَثيرَةِ العُشّاقِ
إِنّي لَأَحمِلُ في هَواكِ صَبابَةً
يا مِصرُ قَد خَرَجَت عَنِ الأَطواقِ
لَهفي عَلَيكِ مَتى أَراكِ طَليقَةً
يَحمي كَريمَ حِماكِ شَعبٌ راقي
كَلِفٌ بِمَحمودِ الخِلالِ مُتَيَّمٌ
بِالبَذلِ بَينَ يَدَيكِ وَالإِنفاقِ
إِنّي لَتُطرِبُني الخِلالُ كَريمَةً
طَرَبَ الغَريبِ بِأَوبَةٍ وَتَلاقي
وَتَهُزُّني ذِكرى المُروءَةِ وَالنَدى
بَينَ الشَمائِلِ هِزَّةَ المُشتاقِ
رابطة النهر الخالد
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.



 
الرئيسيةالبوابةأحدث الصورالتسجيلدخول

 

 أدبنا المعاصر بين التأثير والتأثر

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد الحصري




عدد المساهمات : 219
تاريخ التسجيل : 21/12/2011

أدبنا المعاصر بين التأثير والتأثر Empty
مُساهمةموضوع: أدبنا المعاصر بين التأثير والتأثر   أدبنا المعاصر بين التأثير والتأثر Emptyالجمعة يناير 25, 2013 1:26 pm

مِنَ المعْروفِ أَنَّ الأدَبَ عَبرَ تارِيخه كانَ أَحَد الوَسَائِل الهَـامَّة للتَّـعبيرِ عن ثَقافاتِ الشُّعوب، وتَسْجيل ما عَصَف بها مِن أحداثٍ، وما مرَّ بـِها من فَتَراتِ حُروبٍ أو رَخاءٍ، وليسَ الأمر تسجيلاً تاريخيًّا بقدر ما هو تعبير دقيق عَن حياةِ الشعوبِ وتقاليد مجتمعاتها في أزمنة بعينها، فكيف كان للعربيِّ المُـعَاصرِ أن يعرف - مثلاً - تقاليد المديح والهِجاء، والغَزلِ والنَّسيب عند العرَبِ القُدَماء، لولا ديوانُ الشِّعر الجاهِلي الذي نُقِلَ إلينا عبْرَ خمسةَ عشَر قرنًا من الزَّمان؟

وإن هذا الدَّور على أهمِّيته - في رأيي - قد يتَضَاءل أمَامَ دَورٍ آخر لعبه الأدب في تحريكِ الشعوب، وإيقاظِ الثَّورات، وإصلاح الناس بأسلوبٍ لطيفٍ غير مباشر يحبونه، سواء كان هذا عَبْرَ رَمزٍ في رِواية يَتحايلُ به الكَاتب على حُكمٍ جائرٍ يمنعه مِن قولِ الحق، أو عَبْر مناقَشَةٍ لسَلبياتِ المجتمع ونقاط ضَعْفه بهدف الإصلاح، أو حتى عبْرَ مقالٍ مباشرٍ فـي جَريدةٍ أو مَطبوعةٍ، فالمقال نوع أدبي بدوره، لكنَّها - هَذه الأنواع كُلها - تَصبُّ في النِّهايةِ في بَوتَقَةِ واحِدةِ، وهي الامتزاج بالمجتمع والشُّعوب، والتأثيرُ فِيها والتأثرُ بها.

وقَد يخْتَلِفُ رَأي مـُحْتَرَمٌ آخر يَرى أن تَحميلَ الأنواعِ الأدَبيةِ أو الإبداعِية أهدافًا إصلاحية محدَّدَة - هُو مزَايدة لا تَحْتَمِلها، وَيَرى أن الهَدَفَ الأَوَّلَ للإبداعِ الفَنـِّي أو الأدَبي هـو الإمتاع والتَّسْلِية البريئة لا أكثر، عبْرَ قِصَّة مشوِّقة أو قَصيدة جَمِيلة، لا يُشْتَرَط أن تَكونَ مُصْلِحةً أو هادفة جدًّا إذا خَلَتْ مِنَ الإسْفَاف، وهُو رَأيٌ مُعْتَبَرٌ وإنِ اخْتَلَفْنَا مَعه، ويُمكِنُنا أن نَرى في أوروبا الآن حَفَلاتِ قِراءة - يحضرها عَشَرَاتُ الآلافِ أحيانًا - تُعقَدُ لكَاتِبِ قِصَصٍ بوليسية أو لكاتبة تكتب الروايات الخيالية، وهي كِتَابَاتٌ تهَدفُ للإمْتاع لا غير، وتُلاقي رواجًا مذهلاً في الغرب، وفي دول الشرق أيضًا عِنْد تَرجمَتها، في ذاتِ الوقت لا يفوتُنَا أن نَذْكر أن كاتبًا سياسيًّا أو مدربًا لتنمية القدرات الذاتية مثلاً، قَد يَكتب كتابًا يرفـعه مِن مَصَافِّ الكتَّابِ المَغْمورين، ليجْعله بين طَرْفَةِ عَينٍ وانتباهَتِها نجمًا مِن نُجومِ المجتمع، يَتَسَابَقُ الجَمِيع لشِراء مَا يَكْتبُه، بَل وأكثر من هذا، من أصْحَابِ المَلايين.

2 - نقلة إلى واقعنا العربي:
وإذا انتَقَلْنا إلى أدبنا العَرَبي في الزمن الحالي، فلن يصعب عَلَينا أن ندرك آسفين - ويدرك معنا كُلَّ متابِعٍ مُدقِّق - مَدى تِلكَ الهوة الكبيرة التي باتت تتسع بمرور الزمن، ما بين نخبة من المثقفين والأدباء من جهة، و عموم الناسِ من جِهة أخرى، فنرى النَّدوات الأدبية لا يحضرها إلاَّ عدد قليل جدًّا قد لا يتجاوز أحيانًا عدد أصابع اليدين، نرى ندوات شِعْرٍ لا يَحْضُرُها إلا أصْدِقاء الشَّاعِر، وبعض العَامِلين في المكان، وقِلَّة قليلة من المهتمين بالمجال الأدبي أو الشعر، قد يشذُّ عن هذا بعض الشعراء الكبار أو المشاهير الذين يحضر لهم محبوهم، فَيَصل عَدَدُ الحُضورِ إلى مائة أو مائتين مثلاً.

لكنه في ذَات الوَقْت يبقى عَدَدًا قليلاً جدًّا، إذا ما قُورِن بعدد الحضور لمغنٍّ أو مغنيةٍ، يتَغنَّيان بِكل مُسفٍّ من الكَلمات والألحان، وأيضًا تبقى المقارنة مخجلةً إذا ما وَضَعنا في الحُسبان ذلك الحُضور الهائل والرواج الرَّهيب الذي تَلقاه حَفَلات القِراءةِ في الغَرب التي أشرنا إليها سلفًا، والتي تكون ليس للشعراء فقط، بل للكتاب والروائيين أيضًا.

نُذَكِّرُ أن هذا الوَضْع الأدَبي بين الغَرْب والشَّرق ليسَ طَبيعيًّا؛ بل هو عَلى العَكْسِ تمامًا مما هو مُفْتَرَض ومتوقع، فالتَّجربة الأدَبيَّة العربيَّة تُعَد - إضافَة إلى جَوْدَتها - مِن أعْرَق وأقدم الكِتَابات الأدَبِيَّة بين كل لغات العالم أجمع، وديوان الشِّعْرِ العَرَبي، لا يُقارن مطلقًا بأي ديوان شعر آخر، سواء الشعر الفرنسي أم الإنجليزي؛ لذا فينبغي أن يكون الأدَب العَربي - عَلى أقل تقديرٍ - على مُسْتَوى تاريخه وأصالة تجربته، فضلاً عن أهمية أن يضيف إليها.

فإذا ابتعدنا عن الندوات الخاوية والأمْسِيَّات الشِّعْرية التي لا يحضُرها أحد تقريبًا، فَماذا إذًا عن المطبوعات المعنيَّة بالأدَب، أو الأعمال الأدَبِيَّة ذَاتها؛ كَدَوَاوينِ شِعْرٍ، أو مَجْمُوعَات قصصية... إلخ؟ هل يمكن مُقَارَنَتُها بِمَبِيعَاتِ مَجَلة هَابِطة، لا تَنْشُر سِوى أخبار وصور الفنانين والرَّاقِصِين، رغم أنَّها في حقيقة الحال أخبارٌ لا تَهم أحدًا من المشْتَرين على وجه الإطلاق؛ لكن وسائل الإعلام دأبت على تصويرها لنا عَلى أنها الأحْداث الجِسَام، والوقائع الأهم في حَياة البَشَر، فَصَارَت أَخْبَارُ مغنيَّة معيَّنة، أو حَفْلُ زِفَاف مطرب حدثًا هامًّا يَتَسابَقُ الجَميع لمعرفة المزيد عنه، ومادةً رائجة للبيع.

إنَّ هذا الوضع المزري للأدب، والذي يَنْدَى له جبينُ أيِّ منصفٍ - لحريٌّ بالدِّراسَة ومُحاولات الحل وتجاوز الأزمة؛ لكنَّه - عَلى الرَّغْم مِن هَذا - يلقى تجاهلاً تامًّا، بل وفضَّل بعض المثقفين والأدباء الانغلاق على أَنفسهم والتَّقوقع حول ذواتهِم، وسمعنا في النهايةِ هَذا اللَّفظ العجيب "الوسط الأدبي"، والذي ينفصل كل الانفصال عن رَجُل الشَّارع، كأنَّ للأدب وَسَطًا معينًا بأشخاص معينين وآليات مُعينة، لا يتجاوزها، كأنَّه ليسَ شيئًا مُختلطًا بالشعوب، ومُوجهًا إليها بالأسَاس، متأثرًا بها ومُؤثرًا فيها.

ولسوف نُحاوِلُ معًا - في عُجالة سَريعة - حَصْرَ بَعض أسباب هذا الانفصال غير الصحيِّ مَا بَيْن الأدب و"رَجُلِ الشَّارع"، كما يروق لبعض "النخبة" أن يُطلقوا عليه، قاصدين فَرْدَ عُموم الشَّعب العادي، وغَير المهتم في الغَالب بالأدب ولا بالإبداع بِشَكل عَام.

في البداية يجب أن نقول: إنَّه وإن كانت المسؤولية الكُبرى تقع على كاهِل الأدباء والكُتَّاب أنفسهم في كونهم لا يهتمون اهتمامًا مناسبًا بتوصيل أدبهم للناس، فإن هناك أيضًا جزءًا من المسؤولية يقع على كاهل الفرد، والحُكومات، والظُّروف الاقتصاديَّة؛ لكِنَّها عَلى كُلِّ حَالٍ أسْباب من السهل حلها إذا ما وضعنا يدنا عليها برفق، وحاولنا زحزحتها برويَّة، وهي أسباب تَنْقَسِم بشكل أكبر قسمين: ما يتعلق بالكاتب وما يقدمه وظروفه، وما يتعلق بالقارئ وظروفه.

3- عن الكاتب وما يكتبه:
على الكاتب الجيِّد أن يُدْرِك وجود أسْبَابٍ مُعيَّنة تَدْفَع القَارِئ لِقِرَاءة الكِتاب، فإذا ما انتَفَت هذه الأسْبَاب نفر القارئ مِن الكتاب وابتعدَ عَنْه، ولا أعني بهذا أن يَكتُبَ الكاتِبَ مَا يَروقُ للقارئ أيًّا كان، أو يقلِّد الرائج والذي يُحقق أرقامًا في المبيعات بِغضِّ النَّظر عن الأسباب؛ بل إن هذه مشكلة أخرى نحن بصَدَدِ مناقشتها الآن، أمَّا ما أعنيه فهو أن الشَّخص العادي عِندما يَقرأ، فإنه يَتَمَنَّى أن يجد إما فائدة وإمَّا متعة، فإذا لم يجد أحدهما أو كِلاهُما، اعتبر الكاتب - للأسف - مخرفًا لا يَسْتحق عَناء قراءته، حتَّى ارتسمت في أذهَان البعض صورة كلاسيكيَّة للكاتب أو الأديب، ثائِرَ الشعرِ عَصَبيًّا؛ بل مُدخنًا بِشَراهَة أو حتى معاقرًا للكحوليات، ورغم أنَّها صورة غير حقيقية في الغالب؛ إلاَّ أنَّها شائعة عن الكُتَّابِ للأَسَف.

ومِن الأسباب التي أثرت سلبًا على الكتاب والأدباء:
1- الانفصال التام عن واقع المجتمع:
فنرى الكاتب في أوقات الحَرب والأَزْمة، يَكتب عَن العِشق والغَرام، ونرَى الشِّعر مَليئًا بـ "نتف الثلج المتراكِمَة عَلى الجَبَل والشَجَر"، وألْفَاظٍ مِثْل: "اللازَوَرْد"، و"زهور اللَّيْلَك"، وهي أَشْيَاء لا يَعرفُهَا المواطن العادي، وإن عَرَفَـها، فَهُو عَاجز في الغَالِب عن تذوق جمالها؛ إذ لا يراها في حياته وبعيدة كل البعد عن واقعه المَعِيش، لكنَّ كثيرًا من الشُّعراءِ والكتَّاب يَغرقون حتى الأذنين في هذا العالم الوَهْمي، والذي إن كان جَمِيلاً عِند البعض، فهو غامض عند البعْض ِالآخر، ونقول للإنصاف: إنَّه لا يخلو الأَدَب العَرَبي من شعراء كـ"أحمد مطر" مثلاً، قَدْ كَتبوا ما يموج في قلب المواطن العَرَبي مباشرةً.

ولكِن في ذاتِ الوقت فَـقَد انْفَصَل الكَثيرون، أمَّا إذا نظََََََََرْنا لحال النَّقد، وَجَدناه يمتلئ بألفاظ كـ"السريالية"، و"التكعيبية"، والمعَادِلات الموَضوعيَّة، والإسقَاطات والترميزات، وهي ألفَاظ يَقْتَصِرُ فهْمُها على فِئة شَديدة التخصُّص في الأدَب، تَكادُ لا تَتَجاوَزُ دارِسِيه، فإذا ما عُرِضَت على الناس في مَقالة أو ندوة، شاركت في تنفير القارئ والمُسْتَمِع مِن الأدَب؛ إذ الإنسان بطبعه ينفُر مِما يَستغربه ولا يـفْهمه، وَرَغم هذا نَجِد النُّقاد مصرِّين إصرارًا عجيبًا على الإكثار من مِثل هَذِهِ الألفاظِ المعَقَّدة، غير المفهومة في الغالب، مُتَعَلِّلين بأنه وإن كان "العوام" جُهَلاء لا يفهمونه، فهذا شأنهم، وهَذا يَنْقلنا لنقطة أخرى هامة وهي:

2- الترفُّع عَن القارئ:
فالكاتب يَرى أنَّه يجب على الكاتب أن يَكتب مَا يُريد، أما "رَجُلُ الشَّارِع" فَهو - وإن كان قارئه الأساسي - فإنَّ رأيه في الأدبِ غيرُ مُعتَبَر، ولا يَنْبغي أن نَكتب بلغة سهلة أو بَسِيطَة تُنَاسِبه، بَل يَظل الكَاتِب، يَتَكلَّم عَن السِّيرياليَّة والتَّكعيبية، مُشمئزًّا مِن هَؤلاءِ الذين لا يَعرِفون معنى هذه الكلمات، ويصعُب عليهم فَهْم هذه الأعمال المليئة بالرموز والأسَاليب الأدبية المعقَّدة، لدرجة أننا صِرنا نَسمعُ عنْ عَيْب أدبي يوجه للكاتب، وهو أنَّ كتاباته "مباشرة وسهلة وبسيطة أكثر من اللازم"، ولا يعني قائلو هذه العبارة أنَّها سطحيَّة؛ بَل فقط أنَّها لا تحتوي على كمٍّ مناسب من التعقيد تجعلها جديرة بالأدب الحديث، وهذا بدوره ينقلنا للنقطة الثالثة:

3- الانبهار والتأثر الشديد بدعاوي الحداثة:
وما أدراك ما الحداثة، وما بعد الحداثة في الصَّيَحاتِ الأدَبِيَّةِ اليَوْم؟! ففي الشِّعر نَرى "شعر النثر"، وهو كلام لا يلتزم وزنًا ولا قافية، ويموج بالأساليب اللُّغوية والتعبيرية الصَّعبة، لكنه موافق "للحداثـة" الأدبية، وكثيرًا ما تكون قَصَائِد كَهِذه غَيْر ذَات هَدَفٍ، بَل أحيانًا غَير ذَات معنى، وإن كان فإدراكه - في الغالب - أبعد من إدراك القارئ العَادِي.

أمَّا في النثر، فنرى تأثرًا ببعض نماذج الأدَب الفَرنْسيِّ الحَديث، كَمَدارس العَبَثِ أو اللامَعْقُول، وما تبعه من إغراق في الذاتيَّة عِند الكِتابة وعَدم الاعتناء كَثيرًا بالمتلقِّي، وهَذا أيضًا مُرتَبِط بالنقطة الثانية التي ذكرناها.

4- تأثر بعض الكُتَّاب بِبَعض الأعمال التي راجَت ومُحاولة تَقْليدها:
فَعَلى صَعِيد الأعْمَال العَرَبِيَّة، قَدْ يَنْجح بَيْنَ فَينةٍ وأخرى عمل أدبي، لا يعود نجاحه إلى جودته أو جماله؛ بل لاستخدامه "مشهيات" معروفـة لجلب الشُّهرة وإثارَةِ الضَّجة، وهناك تِلْكَ الوصْفَة التي يَتبعُها بعض الكتاب عند الرَّغبة في الشُّهرة السَّريعة، أو إثارة الضَّوضاء حَول كتاباتهم، ألا وهي الإغراق في الجنس الفاحِش والتَّجديفِ الديني؛ مما يضمن لك مهاجمات ومرافعات ومُناقشات، هذه الضَّوضاء الفارغة كثيرًا ما تبهر أدباء صِغار، فيَلْجَؤون لتقليد هذه الأعمال المسِفَّة الرَدِيئة؛ طمعًا في الشهرة أو المال، أو تنصيبهم كُتَّابًا مناضلين لحرية الكلمة، هذه النسخ الرديئة من الأدب تشارك في ابتعاد نسبة كبيرة من القراء عن الأدب، فهي وإن كانت تَلْقَى رواجًا عند فئة معينة - بهدف الفُضول ليسَ أكثر - فهي تلقى نبذًا واحتقارًا عند البعض الآخر، وتصورًا خاطئًا أنَّ أغلب الروايات تحوي هذا الكم من الفضائحيَّة والانفلات.

عن المتلقِّي:
وإذ يُعاني المُتَلَقِّي العَرَبي هَذِه الأسباب السَّابقة التي تحرمه مِن كِتاب جَيِّد، أو رواية تستحق القراءة، فإنَّه في ذات الوقت مَحصور بين عِدَّة جُدُرٍ تضيِّق عليه خِناقه، وتدفعه دفعًا بعيدًا عن الكتاب، جاذبةً إيَّاه نحو غيره.

من هذه الأسباب:
1- الظروف الاقتِصَادِيِّة السَّيئة:
فالمُواطِن العَرَبي مَشغولٌ لَيْلَ نَهارَ بِتَوفير لقمة العَيْش له ولمِنْ يَعول من زوجة وأبناء؛ بحيث لا يجد الوقت الكافي حتى للجلوس معهم، أو الرَّاحة أو التَّرفيه البريء، في ظُروفٍ كَهَذِه يَغْدو قِراءةُ كتابٍ أو روايةٍ أو ديوان شعر عملاً يندرج تحت باب الرَّفَاهِية والتَّرف، الذي يَقْتَصر عَلَى مَن يتوفر له وَقْتُ فراغ كبير، وهُمْ قِلَّة، ونَذْكر هُنَا أيضًا عَلى عُجَالةٍ أنَّ الظُّروف الاقتِصَاديَّة تؤثِّر على الكاتب بدوره؛ إذ يشعر أن عمله أو هوايته لا تدرُّ عليه ربحًا كافيًا - إن كانت تدرُّ عليه ربحًا أصلاً - فتكون النتيجة أن يشعُر بِعَدَم جَدْوَى مَا يَفْعَله، وَرَغْبته في الاهتمام بأشياء أخرى تدرُّ عليه ربحًا أو مالاً.

2 - وجُود عَوَامِل جَذْبٍ أخرى لِقَضَاء وَقْت الفراغ:
فإذا ما تَوَفَّر للمُواطن العربي هذا الوقْت الفَارِغ الذي يودُّ قضاءه في شيء غير العمل، واللهاث خَلف لُقمة العَيش، فهو في الغالب يفضل مَادَّة لامِعة باهرة للعيون، كَمشاهدة مُسلسلٍ على التلفزيون، أو فيلمٍ سينَمِيٍّ، أو الدُّخول على شبكة (الإنترنت)، أو حتى الخروج إلى منتزه، أو أي عَامِل آخر باهرٍ بصريًّا، يستغل فيه عدة حواس للاستمتاع.

في ظل هذه المناقشة شديدة الشَّراسة من وسائلَ مُتعددة لقَضَاء الوَقت، فإن الكِتَاب المَقروء يواجه تحديًا رهيبًا عليه أنْ يواجهه بالمزيد من تطوير أدَوَاته وأَسَاليبه؛ لاستعادة قُدرَته على جَذْبِ القارئ، وليس تَنْفِيره منه.

كما نرَى، فالسَّببَان السَّابقان يَعملان بعُنف عَلى التَّنْفير والتَّرغِيب، التنفير من القراءة بالانشغال بالعمل + الترغيب في التلفزيون أو السِّينما أو التَّسَوُّق... إلخ.

وهناك عامِل قَد تُعاني منه بعضُ الدول العربية وغير العربية على السَّواء، وهُو دَور السُّلطة أو الحكومة في ترويج الأدب، فَبَعْضُ الدُّوَلِ حَوْلَ العَالم، تَجِدُ فيها اهتمامًا طـفيفًا بأحوال الثَّقافة، وترى المكاتب والمصالح المهتمة بالشأن الثقافي تكاد تكون خاوية على عروشها، تَتَلقَّى دعمًا قليلاً، وتقديرًا غير مناسبٍ لدَوْرها؛ مِمَّا يُسهم في تدنِّي مستوى الثَّقافة، إضافةً إلى أن بعض الحكام يتمُّ منعهم من الوصول للجمهور، أو الحجر على أعمالهم أو كتاباتهم بالقُوَّة؛ لسبب سياسي مثلاً أو خلافه، لكنه يبقى سببًا أكثر محدودية وأقل تأثيرًا في وضع الأدب.

وأخيرًا: هل من مخرج؟
والآن وبعد أن عرضنا الأسباب والمسببات الرئيسة في حال الأدب وابتعاده عن الناس تأثيرًا وتأثرًا، قد يتساءل البعض: هل من مخرج من هذه الدوامة التي يتبادلها القارئ والكاتب؟ والإجابة: نعم بإذن الله؛ إذ غنيٌّ عن القولِ أن البدء في مُحاولة حل المشاكل التي أوردناها سلفًا كفيلٌ وحدَه برفع مستوى ثقافة القارئ العادي، والاندِمَاج أكثر بين الأدَبَاءِ والنَّاس، والترويج الحقيقي للأدب؛ ولكنَّنَا نُنَوِّه أيضًا إلى أنَّه في الفترة الأخِيرة جَرَت مُحَاوَلات جَيِّدة للربط بين الأدب وبين شاشة التلفزيون مثلاً، فرأينا برامجَ تهتم بأعمال الأدباء والكتاب، وأمسيات شعرية تعرض على الهواء مُباشرة، وقنوات فضائية تُصَور حَفْلَ تَوقِيعٍ لِكَاتب أو شَاعر، أو أمسية أدَبية أو فِكرية، إضافةً إلى المسَابَقات الراقية التي تقوم بها عدة دول عربية لتشجيع المبدعين، وإعطائهم التقدير الكافي الذي يليقُ بهم، كل هَذِه المجهُوداتِ الطيِّبة تُشير إلى مستقبل أفْضَل للأدب.

إذ إنَّها وفي أثْنَاء وصُولها للمجتمع بعيدًا عن النَّدوات المغْلقة، فإنها تعطي الأمل للأديب في نتيجة مرضية لِمَا يقوم به، والتقدير المادي والأدبي لما يكتبه، بعد أنْ كاد ييأس من أمور كهذه، صَحيح أن هُناك أصواتًا تعالت منددة بهذه الأمور، وقائلة بأنَّها تقلل من قيمة الأدب؛ إذ إنَّ الأدَبَ يُكْتَب مِن أجل الأدَبِ، وليسَ من أجْل مُسَابقة تقدَّر قِيمة جائزتها بالشيء الكثير، لكنني في هذا الوقت أرى أنَّها وإن لم تفد كاتبًا بشيء أو ترقى بالمسْتَوى العَام، فإنَّها تمثِّل تشجيعًا كافيًا للكتاب، وفي النِّهاية: فإنَّ الكاتب الجيِّد، والعَمَل الحَقِيقِي المَخْلوطَ بِمَا يَنْفع مِن فائدة، وما يمتع من تَسْلية - لسوف يفرض نفسه الآن، أو في آن آتٍ.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
أدبنا المعاصر بين التأثير والتأثر
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» قراءة في واقعنا المعاصر
» طرفة أدبية من واقعنا المعاصر

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
رابطة النهر الخالد :: ادب وفنون :: قطوف الأدب-
انتقل الى: